الوجوه المشرقة.. والوجوه الكالحة

قبل عامين .. أثناء “الحرب” .. او ما يسميه بعضهم “الأحداث” .. او ما يحب الوسطيون تسميته “ثورة” وكلها تسميات صحيحة حسب قائليها ..

المهم بعد استشهاد أخي خرجت لاسبوع من نالوت لرؤية والدتي واخواتي في محنتهم ومواساتهم ثم عدت .. عندما عدت كانت الكهرباء قد انقطعت في نالوت تحت تسارع الاحداث الشديد .. ولجوء القذافي .. اللي يقولوله “التاغية” الى حرب الحياة بقطع امدادات المياه من جهة “سيناون” .. والسيطرة على مناطق الآبار الواقعة اسفل الجبل .. لجأ ايضا لقطع الكهرباء .. وهكذا حوصرت الحياة في نالوت..

عشت أياما سوداء بكل ما تحمله الكلمة .. حر الصيف .. وحر الحرب .. وحر الوحدة .. وحر فراق الأحباب .. إلى أجل يعلم الله وحده موعده !

لا ماء بارد أرتوي به .. ولا مصابيح ولا اضاءة استنير بها .. ولا تلفزيون اتابع به الأخبار .. كان عزائي هو المكوث في المركز الاعلامي حث اقضي ساعات طويلة هناك حيث يتوفر الانترنت والكهرباء باستخدام المولد المحدود القدرة ..
لكن ليس كل الناس تتاح له هذه الفرصة .. ثم ان غاز الطبخ منقطع منذ فترة طويلة ! كيف سيتدبر الناس اكلهم بدون “الفرنيلوات”؟

وازاء هذا الوضع الحياتي المزري .. قام رجال الشركة العامة للكهرباء في المدينة بعمل بطولي حقيقي .. حيث جمعوا كل المواد المتاحة بين أيديهم .. اعمدة كهربائية واسلاك وماشابه .. وقاموا بربط خط كهربائي جديد يبدأ من تندميرة ويمر بكاباو وبعض القرى ثم أولاد محمود سالكا طريق الجويبية واصلا إلى نالوت .. ظلو لاسبوعين او ثلاثة يعملون لربط هذا الخط في تلك الظروف !

وفعلا كان الانجاز .. حيث تم مد المدينة بالكهرباء بعد اسابيع من الظلام !! صحيح ان الامر لو فكرت فيه الان لكان مثيرا للسخرية .. لكنه انجاز ضخم حينها اللامبا كانت تشبه الشمعة !! لكن يمكنك القراءة تحت ضوئها على الأقل .. والتلفزيون يعمل .. رفضت ثلاجتنا العمل فعوضتها بثلاجة الجيران .. واصبح بإمكاني شرب ماء بارد ! وبامكان الجميع تتبع الاخبار وبالامكان توفير المياه الباردة للجميع .. وبامكان المستشفى العمل بطاقة معقولة وبالإمكان تخزين الأكل وماشابه !!

عرفت حينها .. ان الحياة بدون كهرباء جحيم في حد ذاته

حاولت نسيان ذلك وفرحت بامكانية شرب كوب من القهوة باستخدام الفرنيلو ..

لم يدم الحال طويلا .. ففي أول الأيام الرمضانية كهذه .. انقطعت الكهرباء نهائيا .. من كل الخطوط الرئيسية والفرعية .. وعشنا 14 يوما تقريبا في رمضان بلا كهرباء مطلقا .. في صيف حارق كهذا .. العزاء الوحيد كان ان اهلي عادوا وتخلصوا من ألم التهجير .. وأنني تركت العمل اخيرا في المركز الاعلامي بعد كل تلك الاشهر .. وان الاخبار الجيدة بدأت للتو في التوافد من الساحل لا الجبل ..

لكن جحيم الحياة المظلمة بدون مصابيح ايدسون وراديو ماركوني على الاقل حتى لا نقول التلفاز .. ظل يحرق الجميع .. وهنا قام العاملون في الشركة العامة للكهرباء بنالوت ايضا بمجهودات خارقة لاعادة الشبكة الى العمل .. وفعلا .. بعد 14نحو من العمل المستمر .. كنت اسير ليلا من بيتنا الى اتجاه المستشفى لزيارة احد الجرحى الحديثين .. وفي الطريق سمعت صوتا غريبا .. تزززززنننن .. كان هدير المحولات التي آذنت بعودة الكهرباء .. كنت سعيدا جدا .. ونسيت الجريح .. بل عدت مسرعا للبيت وملأت الثلاجة بالمياه .. ثم عدت وزرت الجريح .. وعند عودتي للبيت استمتعت بشربة ماء باردة في صيف حار تماما كهذا .. كانت لحظة تاريخية !

اليوم يا سادة .. العاملون في شركة الكهرباء .. لا يدخلون ضمن اهتمامات هيئة المحاربين مثلا .. ولا يتم استضافتهم في التلفزيون على انهم ابطال .. ولا يتم ذكرهم في الملتقيات حيث يتم التسبيح بحمد الثورة .. والأدهى من هذا .. ان الشركة بدت عاجزة اليوم على اجبار الناس على دفع الفواتير .. فصارت تقريبا تستجديهم

منهم من يدفع .. ومنهم من يرفض .. وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك

والأدهى والأمر على قلبي .. ان ذلك الخط المعجزة .. الذي تم ربطه من تندبيرة مرورا بكاباو واولاد محمود والجويبية الى نالوت .. قد تمت سرقته كله تقريبا .. من عصابات بيع النحاس !!

انه ضرب من ضروب التناقض .. بين الوجوه المشرقة .. والوجوه الكالحة

تحية لكل المخلصين .. والعار لكل اللصوص والممشطين أينما كانوا ..

تعليقان على “الوجوه المشرقة.. والوجوه الكالحة

  1. بجد مشكور ومشاء الله عليك في ملكة الكتابة … وياريت تراسلني في موضوع بنقولك عليه

(حرية النقد والرد متاحة للجميع شرط أن يكون تعليقك ضمن الموضوع وخالي من الكلمات البذيئة)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Get a Gravatar
(mad) :-[ (B) (^) (P) (@) (O) (D) :-S ;-( (C) (&) :-$ (E) (~) (K) (I) (L) (mrgreen) (8) :-O (T) (G) (F) :-( (H) :-) (*) :-D (N) (Y) :-P (t0) (t1) (U) (W) ;-) (wp)